أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

243

العقد الفريد

يأتيهم بيتا بيتا فيقول : هبّوا أيها القوم ، عليكم بالنار . فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا ، فلا واللّه إن ذاق منه مزعة وإنه لأحوج إليه منّا ؛ فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلّا عظم وحافر . فأنشأ حاتم يقول : مهلا نوار أقلّي اللّوم والعذلا * ولا تقولي لشيء فات ما فعلا ولا تقولي لمال كنت مهلكه * مهلا وإن كنت أعطي الأنس والخبلا « 1 » يرى البخيل سبيل المال واحدة * إنّ الجواد يرى في ماله سبلا ورئي حاتم يوما يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدلّ عليه أضيافه وهو يقول : أقول لابني وقد سطت يديه * بكلبة لا يزال يجلدها « 2 » أوصيك خيرا بها فإن لها * عندي يدا لا أزال أحمدها تدل ضيفي عليّ في غلس اللي * ل إذا النار نام موقدها ذكرت طيء عند عديّ بن حاتم أن رجلا يعرف بأبي الخيبريّ مر بقبر حاتم فنزل به وجعل ينادي : أبا عدي : أقر أضيافك . قال : فيقال له : مهلا ما تكلم من رمّة بالية ؟ فقال : إن طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه ، كالمستهزئ فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح : وا راحلتاه : فقال له أصحابه : ما شأنك ؟ قال : خرج واللّه حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها . فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث . فقالوا : قد واللّه أقراك . فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها ، ثم أردفوه وانطلقوا ، فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عديّ ابن حاتم ومعه جمل قد قرنه ببعيره ، فقال إن حاتما جاء في النوم فذكر لي قولك وأنه أقراك وأصحابك راحلتك ، وقال أبياتا ردّدها عليّ حتى حفظتها ، وهي : أبا الخيبريّ وأنت امرؤ * حسود العشيرة شتّامها فما ذا أردت إلى رمّة * بداوية صخب هامها « 3 »

--> ( 1 ) الخبل : الجنّ . ( 2 ) سطت : منعت وأمسكت . ( 3 ) الرمّة : العظام البالية ، والداوية : الفلاة والهام : جمع هامة ، وهي طائر تزعم العرب أنّه كان يخرج من رأس القتيل ويصيح اسقوني ، حتى يؤخذ بثأره .